الحلقة الأولى : مخطوط يكشف عن حقائق تاريخية مثيرة بين المغرب وإسبانيا

 مخطوط يكشف عن حقائق تاريخية مثيرة بين المغرب وإسبانيا



فى نهاية القرن الثامن عشر أوفد السلطان المغربي محمّد بن عبد الله السفير إبن عثمان المكناسي في سفارة لدى ملك إسبانيا كارلوس الثالث سنة 1779 لإطلاق سراح الأسرى المسلمين الذين كانوا في سجون مدينتي شقوبيّة وقرطاجنة الإسبانيتين. تعتبر رحلته «الإكسير في فكاك الأسير» من أهمّ الرحلات السفارية في شأن عقد معاهدة لتجديد الصّلح بين الدّولتين، وافتكاك الأسرى المسلمين الذين كانوا في أسر النصارى بإسبانيا.
والجدير بالذكر أنّ هذه الرحلة لم تكن معروفة من قبل، بل كان يشار إليها بواسطة الفرنسّيين فقط في سجلاّتهم الدبلوماسية إلى أن عثر المرحوم محمّد إبراهيم الكتاني على نسخة من مخطوط الرّحلة ،وقد اعتمد محقّق الرّحلة المرحوم محمد الفاسي على نسخ المخطوطات الثلاث،وذيّل حواشي الرّحلة بالتعاليق الضافية، وشرح الكلمات والألفاظ العاميّة ،وكذا الكلمات الإسبانية الواردة فيها، وبيّن أسماء المدن والقرى التي مرّ بها ابن عثمان مع كتابتها بالأحرف اللاتينية الحالية وإثبات نبذ تاريخية عن هذه الأماكن، وتوضيح المسافات بينها وبين المدن الرّئيسية.
الدبلوماسي المحنّك
تؤكّد العديد من المراجع الأوروبية أنّ ابن عثمان اضطلع بدور حاسم في سياسة المغرب الخارجية، إذ من خلال مكاتباته مع كبار المسؤولين الإسبان ورجال الدّولة السّامين في إسبانيا وفي مقدّمتهم صديقه «الكونت أراندة» وزير الملك كارلوس الرابع تبيّن مدى المكانة المرموقة التي كان يحظى بها ابن عثمان لدى الإسبان، كما أننا من خلال كتاباته نجده رجلا محبّا للسلام ذائدا عنه، ذا خبرة واسعة بالشؤون الدبلوماسية، وكان يدرك تماما أنّ مصلحة إسبانيا والمغرب أن يعيشا في سلام ووئام نظرا لإعتبارات الجوار والتاريخ والعلاقات التجارية بين البلدين، ومصالحهما المشركة.يقول عنه الدكتور عبد الهادي التازي: «إبن عثمان كان يتمتّع بخصال الدبلوماسي الذي لا يتردّد في الاستجابة لحضور دعوات الموسيقى والرقص، وحضور مجالس الأنس، ولا تعجزه الإجابة عن الاسئلة التي تطرح عليه، كما لا يترفّع عن السؤال عمّا يريد الاستفادة منه، ثمّ هو بعد هذا وذاك يحترم تقاليد الأمم التي يعتمد لديها، وإذا كان ابن بطوطة أوّل مبعوث مغربي أخذت له صورة عند زيارته للصّين، وإذا كان السفير إبراهيم الدّوك أوّل من حمل الوسام من الولايات العامّة، فإنّ ابن عثمان كان أوّل دبلوماسي مغربي يقوم بطبع « قراطيس» تعريفه لتقديمها لزملائه في المماليك الأوروبية».
استهلّ ابن عثمان رحلته بالحديث عن فوائد السفر والترحال وما يجنيه المرء منهما من نفع عميم، فضلا عمّا يشعر به المسافرمن متعة لا حدّ لها وهو يرى بلدا جديدا ويطّلع على عوائد جديدة، ويتعرّف على حياة تختلف إختلافا واضحا عن الحياة في بلاده التي تركها وراء البوغاز . ومن عادة إبن عثمان أن يذكر عند وصوله لأيّ مدينة مدى فرحة السكّان بقدومه، والحفاوة التي هيّأها أهلها وحكامها له، 
وهكذا حاله في مختلف المدن والقرى التي مرّ أو إستقرّ فيها على طول الطريق المؤدّية إلى العاصمة مدريد، ثم إلى وجهته الأولى حيث يوجد الأسرى وهي مدينة شقوبية. وفي الميدان الفلاحي نجده يصف لنا هذا الجانب وصفا دقيقا كأنواع المزروعات، والأشجار والثمار إلخ . وهو يقول بعد خروجه من «خيريث»: «ودخلنا في بلاد فسيحة الأرجاء، متّسعة الأنحاء، بلاد الحرث والنسل تنبت الدّوم وشجر السّرو». ويقول عن قرية «لاس كابيثاس دي سان خوان»: «ودخلنا أرضا متّسعة منفسحة طولا وعرضا تسرح نظرك حيث شئت ووجدناها كلها محروثة، وهي أشبه شئ ببلاد دكّالة بأرض المغرب، نباتها النبات المسمّى بالخرشف وليس بها ماء أصلا إلاّ الآبار أو ماء الأمطار، إلاّ أنّ ماء آبارها قريب لا كماء دكّالة». إلى أن يقول: «وأتانا أهل تلك الدار بزيتون لم نر مثله كأنه الجوز حقيقة». 

يتبع الجزء الثاني ....
لا تنس التعليق علي الموضوع


ليست هناك تعليقات :

موقع |الصحراء المغربـــــــية | لعام 2015 كل الحقوق محفوظة لموقع الصحراء المغربية . تصميم وتطوير عمران منير ~ عمران منير

Scroll to top