الجزء الثاني :مخطوط يكشف عن حقائق تاريخية مثيرة بين المغرب وإسبانيا
مخطوط يكشف عن حقائق تاريخية مثيرة بين المغرب وإسبانيا
يتميّز وصف ابن عثمان لكلّ ما رآه في الدّيار الإسبانية بدقّة متناهية بحيث يحصي أقواس بعض المآثر التاريخية ،وأعمدتها والسّواري، والأبواب بعلوّها وطولها وعرضها، بل إنه يلجأ إلى في بعض الأحيان إلى المقارنة بين ما شاهده في إسبانيا وما هو قائم أو كائن في بلاده المغرب، فعند وصفه لمدينة إشبيلية يقول عن صومعة «الخيرالدا» مقارنا إياها بأختها صومعة الكتبيين في مرّاكش: «لقد كنّا سمعنا من قبل أنّ منارها يشبه منار الكتبيين يصعد إليه من غير مدارج، وقد أخبرني غير واحد من المواطنين الإسبان ممّن صعد إليه راكبا على فرسه، وكذا الكتبية لا مدارج لها، ولما دخلنا بابها درنا في المنار في صعودنا إليه خمسة وثلاثين دورة، وفيها من القبب في وسطها مثل صومعة الكتبيّين، حيث يسكنها النصارى المقيمون الموكولون بضرب النواقيس المعلقة بها لانّ لها من النواقيس خمسة وعشرين، منها ناقوس كبير».
ويصف ابن عثمان إشبيلية من أعلى منار الخيرالدا فيقول: «وأشرفنا على مدينة إشبيلية فإذا هي مدينة كبيرة بهيّة المنظر، كثيرة الآثار مع ما فيها من البناءات الفائقة، والمنارة الرائقة، وسقف دورها كلها بالقرمود الأبيض، وكذا سائر مدن إسبانيا التي رأينا،أسّست في بسيط من الأرض، وزادها حسنا وبهاء الوادي الكبير، فإنه مارّ بإزائها بينه وبين سورها نحو الأربعين شبرا أو نحو ذلك، صار لها كالتاج حسنا، وعلى ضفته في العدوة الأخرى مدينة صغيرة يقال لها «تريانة» أكسبتها إشبيلية منظرا حسنا، وجميع أرجاء هذه المدينة منفسحة، وكلها مغروسة بالزياتين، وهذا الوادي المذكور هو أعظم أودية الأندلس، إذ جلّ الأودية تصبّ فيه وتجتمع، وكلها تخرج إلى البحر الكبير»، إلى أن يقول: «ويكفي هذه المدينة فخرا أنها مسمّاة عروس الأندلس، ومن غرائب إشبيلية الغرسة المجاورة للقصر الذي كنا نازلين فيه، ففيها من العجائب ما يقصر عن وصفه اللسان، فقد قسّموها أقساما متعدّدة، وطرقها معتدلة مستوية، وفيها من التصاوير (يقصد التماثيل أو المجسّمات) ما لا يحصى وحيث يطلقون الماء فيخرج من تلك التصاوير، فمنها ما يخرج من فمه، ومنها ما يخرج من قلبه، ومن ثدييه، ومن رأسه كأنّه المرشّة. ومن عجائب هذه الغرسة أن جدرانها مكسوّة بشجر التيّن والنارنج مغروس في أصل الجدارات (الجدران) وربّي على هيئتها حتى صار لباسا للجدارات كأنّه النبات المسمّى عندنا بالمغرب باللوّاية».
قرطبة الفيحاء
وعندما يصل إبن عثمان إلى قرطبة فإنّ أوّل ما استرعى نظره هو الوادي الكبير والقنطرة التي تعلوه، ثم ينتقل إلى الحديث عن عظمة هذه المدينة أيام الوجود الإسلامي بها، يقول عن مسجدها الأعظم: «ودخلنا المسجد وقد أوقدوا به من الشمع ما لا يعدّ كثرة فإذا هو من أعظم مساجد الدنيا، واسع الفناء، ضخم البناء، وتقدّمنا إلى المحراب فإذا هو أبدع من كلّ مبتدع، وأبهى من كلّ مستنبط ومخترع، وهو كلّه من الرّخام الأبيض في داخله سبع صفائح من الرخام في طول قامة وعرض ستة أشبار ونصف في الواحدة»، وبعد أن سجّل إبن عثمان كلّ ما هو مكتوب في مختلف رخامات المسجد صار يعدّ كلّ سواريه عدّا دقيقا، وإطّلع على ما في المسجد من نفائس وتحف، ثم أحصى عدد شجر النارنج الذي يتوسّط صحن المسجد،، ثم أحصى نواقيس الصّومعة و»ناهيك عن مسجد ليس في معمور الأرض مثله إلاّ المسجد الأقصى، وقيل إنّ سقف مسجد قرطبة أكثر من سقف المسجد الاقصى، وأوّل من إختطّ هذا المسجد العظيم الإمام عبد الرحمن الداخل».
الجزء الأخير ........

ليست هناك تعليقات :