الجزء الاخير : مخطوط يكشف عن حقائق تاريخية مثيرة بين المغرب وإسبانيا

الجزء الاخير : مخطوط يكشف عن حقائق تاريخية مثيرة بين المغرب وإسبانيا


مجريط العامرة
ويقول عن مدريد: «هذه المدينة كبيرة غاية في الكبر وضخامة البناء حاضرة الحواضر ببلاد إصبانية (كذا) بنيت على ربوة، وببابها وادي مانساناريس زادها حسنا وبهجة وسناء. وقد غرسوا على جانب الوادي الذي من ناحية المدينة أشجارا كثيرة مثل التمر وما أشبهه في غاية العلوّ بصفوف معتدلة يتفيّأون ظلالها عشية وقت خروجهم يتردّدون على حاشية الوادي المذكور على أكداشهم (مفردها كوتشي وهي عربة يجرها حصان)، ولما دخلنا المدينة وجدنا بها من الخلائق أضعاف من تلقّانا بخارجها، فسرنا في سكك متّسعة وديار مرتفعة فجلّ ديارها لها ستّ طبقات وخمس طبقات لكل دار سراجيب منفتحة للأزقّة ومغلقة بالزّاج عليها شبابيك الحديد وأسواقها عامرة مشحونة بأهل الحرف والصنائع والتجارة والبضائع وجلّ باعتها من النساء.
لقاؤه بالعاهل الإسباني
وعن العاهل الإسباني كارلوس الثالث يقول: «دخلنا قبّة فوجدنا الملك واقفا ببابها، وعن يمينه طبلة مكسيّة بالديباج، وحوله الوزراء وأعيان دولته وخاصّته، فأزال الشمرير (أي القبّعة) عن رأسه فدنوت منه وسلّمت عليه بما هو شرعا فهشّ وأظهر من الإنشراح والفرح شيئا كثيرا «إلى أن يقول: فأخرجت الكتاب السلطاني (أيّ أوراق الإعتماد كما يقال في يومنا) ووضعته على رأسي، وقبّلته ودفعته إليه وإنصرفنا عنه، ودخلنا قبّة أخرى فوجدنا بها البرينسيبي (أيّ الأمير) فسلمنا عليه، وفعل مثل ما فعل والده». وتتطابق أوصاف إبن عثمان بالضبط مع الرسومات واللوحات التي أخذت له من طرف بعض مشاهير الرسّامين الإسبان المعاصرين له.
حديقة ريتيرو بمدريد
وأشار ابن عثمان أنه رأى في حديقة «ريتيرو» الشهيرة في مدريد (ما زالت إلى يومنا هذا) فرسا عظيما من النحاس وراكبه صورة (تمثال) من نحاس أيضا لفليبي كوارطو (أي الرابع)، ويشير ابن عثمان إلى أنه وقف في رحلة مغربي آخر إلى إسبانيا قبله وهو الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب الوزير الغسّاني من أهل فاس، وقد كان سبقه إلى السفارة عن المولى إسماعيل إلى ملك إسبانيا كارلوس الثاني لافتكاك الأسارى كذلك مثله، والمطالبة بالمخطوطات المغربية في دير الإسكوريال وذلك عام 1690 ،* يشير فيها الغسّاني: «أنهم كانوا يجعلون في الفرس المذكور حركات، فصوت مثل صهيل الفرس». وبعد وصفه لمختلف مظاهر الحياة الإسبانية في ذلك الإبّان (القرن الثامن عشر) كمصارعة الثيران التي يدوّن بشأنها أخبارا وأشياء لم تعد موجودة اليوم في إسبانيا كتسليط الكلاب الكبيرة على الثيران التي تأبى المصارعة والمراوغة وتولّي الأدبار، وهناك مجموعة من لوحات الرسامين الإسبان الكبار تؤكّد لنا ذلك.
لقاؤه بالأسرى وتسريحهم
ثمّ يصف ابن عثمان بعد ذلك لقاءه بهؤلاء الأسرى المنكودي الطالع، فيقول: «ودخلنا إلى موضعهم وجلسنا معهم كثيرا تطييبا لخواطرهم، وبشّرناهم بأنه عمّا قريب سيأتي الأمر بسراحهم». والمحطّة الثانية التي حطّ ابن عثمان فيها الرّحال بعد زيارته وأقام ابن عثمان في قرطاجنة ينتظر جواب كتابه إلى العاهل الإسباني إلى أن جاءه الجواب فأمر حاكم قرطاجنة أن يسرّح أسر كلّ من أراد ابن عثمان، يقول في ذلك: «فأخرجت بفضل الله إثنين وتسعين أسيرا زيادة على الثلاثين الأوّلين، تخيّرنا منهم الصّبيان والصّغار، والشيوخ، والعاجزين وذوي الأعذار ومن طال مكثه في الأسر نحو الثلاثين سنة، وإكتريت لهم مركبا ووجّهتهم من قرطاجنة إلى سبتة»
يقول: «وقد كان في تلك الأيام ريح شرقي، ثمّ منّ الله علينا بريح غربية طيبة فورد علينا الرؤساء وأعلمونا وحملوا أثاثنا على فلائكهم إلى المراكب، ومن الغد وردوا علينا بكرة فقالوا إننا متأهبّون للسفر فسرنا معهم إلى المرسى، وخرج معنا حاكم البلد وأعيانها فإذا بفلائكهم قد زيّنوها وكسوها بالحرير وبحريتها كذلك، فركبنا فيها وصرنا قاصدين مدينة سبتة بريح طيبة فوصلنا على ساعة ونصف.
بعد مغادرة ابن عثمان مدينة سبتة صحبة الأسرى الذين استقدمهم معه من كل من شقوبية وقرطاجنة ينتقل إلى وصف إستقبال أهل تطوان له وللأسرى بالترحاب والزغاريد،وبعد خروج ابن عثمان من تطوان التي أقام بها ستة أيام ،ينتقل إلى وصف مراسيم لقائه بالسلطان محمد بن عبد الله الذي كان مخيما بناحية المجاز بظاهر مدينة سلا، وكيف تقدّم إلى لقائه في محفل رهيب ومعه جميع الأسرى الذين إستقدمهم معه من الديار الإسبانية ،وكان ذلك اليوم ليلة القدر ،فأقمنا هناك إلى أن عيّدنا عيد الفطر وبعد العيد بيومين ركب مولانا أعزّه الله إلى الموضع الذي خيّمنا به مع الأسارى المذكورين، وأوقفناهم أمامه، وواصل كلّ فرد فرد بصلته،على قدر حاجته وفاقته وضعفه وقوّته، وأمرنا أن نرافقهم حتى نوصلهم إلى حضرة فاس، ونعيّن لهم البهائم الكافية لركوبهم إلى تلمسان ومن هناك يتفرّقون في البلدان ،فتوجّهت بهم إلى أن أوصلتهم فاس وأقمنا معهم حتى يسّرنا لهم جميع شؤونهم، وودّعناهم فرحين بما أسداه تعالى إليهم شاكرين نعمه عليهم».
وثيقة تاريخية
من الحقائق التي يرويها لنا ابن عثمان في هذه الرحلة الشيّقة لقاؤه ببعض بقايا المسلمين بإسبانيا حيث يشير أنه إلتقى بهم وتحادث معهم، وهو يحدّثنا أنهم أتوه إلى غير مناسبة بشئ من سكّة المسلمين مثل بضعة دنانير وريال صغير وفلوس مكتوب في بعضها آيات قرآنية وبعض التواريخ التي تدلّ متى ضربت هذه السكّة، فقلت لهم إن إخوانهم في بلادنا لهم وجاهة، وهم عندنا من الأعيان، وقد ذكر لنا كثيرا من قبائل أهل الأندلس الذين نعرفهم في بلادنا مثل تطوان والرباط وهم أهل رفاهية وسعة في الدنيا».
وعن آثار المسلمين وبقاياهم من كتب ومخطوطات ومسكوكات إلخ يقول ابن عثمان عن الإسبان: «إنّ لهم إعتناء كبيرا بمثل هذه الأمور القديمة ولا سيّما أمور المسلمين» ومن بقايا العائلات الأندلسية العربية منها والبربرية أولاد برقاش، وأولاد بريش، وأولاد صيرون، وأولاد راغون، وأولاد اللب،وأولاد قردناش، وعائلة بركاش ومعظم هذه العائلات لا تزال حتى يومنا هذه في بعض المدن المغربية . وتجدر الإشارة أنه بجوار مدينة طليطلة توجد حتّى الآن قرية صغيرة، (ولعلّها اليوم مدينة) تسمّى برقاش أو بركاش.
تطرّق ابن عثمان في رحلته إلى مختلف مظاهر الحياة الإسبانية في الفترة التي زار فيها إسبانيا، إنه كان يلقي الضوء على كل صغيرة وكبيرة يمرّ بها أثناء رحلته، بحيث لم يترك شيئا وقعت عليه عيناه إلاّ وأوفاه حقه بالوصف والتصوير، والبحث والتحرّي، والتقصّي والشرح وقد بذّ في ذلك بعض الرحّالة الآخرين الذين سبقوه إلى الديار الإسبانية مثل الغسّاني والزيّاني وسواهما.
وتكتسب رحلته قيمة توثيقية مهمّة، إذ أنه يشير فيها إلى العديد من القضايا والأحداث التي جرت في تلك الحقبة ،كحرب الإسبان مع الإنجليز حول جبل طارق، كما يحدثنا عن العائلات المالكة في إسبانيا بإسهاب، وعن تاريخ كلّ فرد من هذه العائلات، فضلا عن بسط القول عن مهمّته الرئيسية التي حضر من أجلها إلى إسبانيا وهي إطلاق سراح الأسرى المسلمين. وما استجابة الملك كارلوس الثالث لمطالب ابن عثمان إلاّ الدليل القاطع على حسن التعايش والجوار اللذين كانا سائدين بين المغرب وإسبانيا في ذلك الإبّان.
محمّد محمّد خطّابي
لا تنس التعليق علي الموضوع


ليست هناك تعليقات :

موقع |الصحراء المغربـــــــية | لعام 2015 كل الحقوق محفوظة لموقع الصحراء المغربية . تصميم وتطوير عمران منير ~ عمران منير

Scroll to top